ابن قيم الجوزية
336
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وقال : الزهد في قوله تعالى : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 23 ) [ الحديد : 23 ] فالزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود . ولا يأسف منها على مفقود . وقال يحيى بن معاذ : الزهد يورث السخاء بالملك ، والحب يورث السخاء بالروح . وقال ابن الجلاء : الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال ، فتصغر في عينك ، فيسهل عليك الإعراض عنها . وقال ابن خفيف : الزهد وجود الراحة في الخروج من الملك . وقال أيضا : الزهد سلو القلب عن الأسباب ، ونفض الأيدي من الأملاك . وقيل : هو عزوف القلب عن الدنيا بلا تكلف . وقال الجنيد : الزهد خلو القلب عما خلت منه اليد . وقال الإمام أحمد : الزهد في الدنيا قصر الأمل . وعنه رواية أخرى : أنه عدم فرحه بإقبالها . ولا حزنه على إدبارها . فإنه سئل عن الرجل يكون معه ألف دينار . هل يكون زاهدا ؟ فقال : نعم . على شريطة أن لا يفرح إذا زادت ، ولا يحزن إذا نقصت . وقال عبد اللّه بن المبارك : هو الثقة باللّه مع حب الفقر . وهذا قول شقيق ويوسف بن أسباط . وقال عبد الواحد بن زيد ، الزّهد : الزهد في الدينار والدرهم . وقال أبو سليمان الداراني : ترك ما يشغل عن اللّه . وهو قول الشبلي . وسأل رويم الجنيد عن الزهد ؟ فقال : استصغار الدنيا ، ومحو آثارها من القلب . وقال مرة : هو خلو اليد عن الملك ، والقلب عن التتبع . وقال يحيى بن معاذ : لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال : عمل بلا علاقة ، وقول بلا طمع ، وعز بلا رياسة . وقال أيضا : الزاهد يسعطك الخل والخردل ، والعارف يشمّك المسك والعنبر . وقيل : حقيقته هو الزهد في النفس . وهذا قول ذي النون المصري . وقيل : الزهد الإيثار عند الاستغناء ، والفتوة الإيثار عند الحاجة . قال اللّه تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ الحشر : 9 ] . وقال رجل ليحيى بن معاذ : متى أدخل حانوت التوكل ، وألبس رداء الزاهدين ، وأقعد معهم ؟ فقال : إذا صرت من رياضتك لنفسك إلى حد لو قطع اللّه الرزق عنك ثلاثة أيام لم تضعف نفسك « 1 » فأما ما لم تبلغ إلى هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل ، ثم لا آمن عليك أن تفتضح .
--> ( 1 ) من صوفية وثنيي الهنود من يمكث العشرين يوما - وربما أكثر - لا يذوق طعاما . وهم أشد الناس تباعدا عن نعم اللّه ، ومقتا لها ، وزهدا فيها . وكان إمام المهتدين وسيد المتقين صلى اللّه عليه وسلم يحب الطيبات من المطعوم والمشروب والملبوس ومن النساء . فأيهما ترضى أن يكون لك إماما وقدوة ؟ .